ابن قيم الجوزية

334

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

بِها قَوماً ليسوا بِها بِكافِرين ) فأخبر أنه سبحانه كما جعل في الأرض من يكفر به ويجحد توحيده ويكذب رسله كذلك جعل فيها من عباده من يؤمن بما كفر به أولئك ويصدق بما كذبوا به ويحفظ من حرمانه ما أضاعوه . وبهذا تماسك العالم العلوي والسفلي وإلا فلو تبع الحق أهواه أعدائه لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ولخرب العالم ولهذا جعل سبحانه من أسباب خراب العالم رفع الأسباب الممسكة له من الأرض وهي كلامه وبيته ودينه والقائمون به فلا يبقى لتلك الأسباب المقتضية لخراب العالم أسباب تقاومها وتمانعها . ولم كان اسم الحليم أدخل في الأوصاف واسم الصبور في الأفعال كان الحلم أصل الصبر فوقع الاستغناء بذكره في القرآن عن اسم الصبور والله أعلم . [ فصل ] وأما تسميته سبحانه بالشكور فهو في حديث أبي هريرة وفي القرآن تسميته شاكرا قال الله تعالى : ( وكان اللَهُ شاكِراً عَليماً ) وتسميته أيضا شكور قال الله تعالى : ( واللَهُ شَكورٌ حَليم ) وقال تعالى : ( إنَ هَذا كانَ لَكُم جَزاءٌ وكانَ سَعيُكُم مَشكورا ) فجمع لهم سبحانه بين الأمرين : ان شكر سعيهم وأثابهم عليه والله تعالى يشكر عبده إذا أحسن طاعته ويغفر له إذا تاب إليه فيجمع للعبد بين شكره لاحسانه ومغفرته لإساءته أنه غفور شكور .